خطاب رئاسة الجمهورية -باريس، الثلاثاء في 29 آب/أغسطس 2017

باريس، الثلاثاء في 29 آب/أغسطس 2017

فخامة رؤساء الجمهوريات، معالي رئيس مجلس الوزراء، سيداتي وسادتي الوزراء، سيداتي وسادتي النوّاب، سعادة السفراء، سيداتي وسادتي،
يسرني أن أستقبلكم اليوم بمناسبة مؤتمر السفراء الأول منذ الانتخابات الرئاسية. ويندرج هذا المؤتمر في إطار التغيير الجذري، وعندما أقول هذا، لا أتحدث عن انتخابي وحسب، بل عن عقلية المواطنين الفرنسيين الذين أوصلا إلى الدورة الثانية من الانتخابات مرشحين اثنين يقترحان إعادة النظر جذريًا بالنهج الذي اتبعه الحكام الفرنسيين على امتداد السنوات الثلاثين المنصرمة. وتنامت هذه الرغبة بالتحوّل نتيجة إدراك الفرنسيين أن العالم من حولهم يتبدّل وأنه ما من شيء في هذا السياق أسوأ من التقاعس وعدم التفاعل مع هذا التحوّل.
ويختار البعض اللجوء إلى الانكفاء والانغلاق والتخلي عن التاريخ، وهو أسلوب يتّسم بالتراجع إلى ما وراء الحدود التي يأملون بأن تكون مغلقة بإحكام. أما أنا، فقد اخترت سلوك الدرب التي سيتيح لفرنسا استعادة مكانتها بين أمم أوروبا والتصدي للتحديات التي يفرضها عالمنا اليوم وإسماع وجهة نظرها بوضوح وجلاء.
هذه الدرب اختارها الفرنسيون نظرًا للشعور بالحاجة والاستياء بلا أدنى شك، هذا الشعور الذي يتجلى متى يبدو لنا بأن القرارات يجب أن تُتخذ بسرعة. علينا ألا نُخطئ أو ننزلق، فأنظار العالم بأسره تتجه نحو فرنسا. وهذا التحوّل الذي بدأناه هو شرط أساسي، وأنا مقتنع بذلك، لإحداث تحوّل في أوروبا، تحوّل يراعي المستقبل والشعوب. وإحداث التحوّل في أوروبا القائم على رؤية مشتركة هو الشرط الواجب توفره من أجل إقامة نظام عالمي أكثر استقرارًا يسهم في التهدئة من حدّة المنافسات بين القوى العظمى.
لذا فأنتم مدعوون إلى أن تصبحوا سفراء التحوّل في فرنسا، وأن تحملوا إلى العالم أجمع رسالة بأن فرنسا هي أكثر قوّة ووحدة وانفتاحًا وبأنها ترغب في أن تحمل شعلة العمل المتعدد الأطراف والحوار السياسي وتسوية الأزمات، أينما استطاعت إليه سبيلًا. وينطوي هذا التحوّل في فرنسا على هدفين طموحين اثنين لا يمكن فصلهما،
إذ يتمثّل الهدف الأول في أن نصبح أكثر قوّة وفي أن نعيد إحياء قدرتنا على الابتكار والانتاج وأن نقلّص معدلات البطالة لا سيّما بين الشباب، أمّا الهدف الثاني فيكمن في تمكين فرنسا من المحافظة على مكانتها في نظام عالمي متصدّع، وذلك داخل قارة أوروبية بدأت بالانتعاش.
لن أصف لكم اليوم مسار العام وتطوره، فأتنم تعرفونه أكثر من أي شخص آخر، ولن أستعرض لكم الأوضاع الإقليمية التي تواجهها فرنسا، فهي تحتل جزءًا كبيرًا من يومياتكم وأنتم من يحسن توضيح خفاياها لنا جميعًا. ولا تتطلعوا إلى البحث في هذا الخطاب عن أسماء كل البلدان أو المناطق التي تعملون عليها معتقدين بأنكم ستحصلون على امتنان، فلكل شخص أهميته في النشاط الدبلوماسي الذي يصبو إلى العالمية والشمولية.
فما أريد أن أثبته أمامكم هي طموحات فرنسا في عالمنا اليوم مع كلّ الأحداث والمصاعب التي يشهدها. فنحن نمر في مرحلة تشهد على تشكيك بالغ في الثوابت الدبلوماسية وتداخل في الخطوط، على غرار ما ساد منذ خمسة عشر عامًا أو خمسين عامًا. فنظام عام 1989 هو النظام الذي أصبح متزعزعًا في يومنا هذا، وهو النظام القائم على العولمة التي باتت فائقة التحرر وعلى القوة الخارقة لدولة واحدة.
ويتوجب علينا اليوم أن نعيد بناء نظام مشترك ومستقر وعادل مع حلفائنا وشركائنا كافةً. ولكن من أجل إعادة بناء هذا النظام، يجب أن تتمحور الدبلوماسية الفرنسية حول ثلاثة محاور هامة وهي أمننا الذي لا يتحقق من دون استقرار العالم، واستقلالنا الذي يستدعي إعادة النظر في مقتضيات السيادة بما فيها السيادة الأوروبية، وتأثيرنا الذي يترافق مع الدفاع عن الممتلكات العالمية المشتركة.
وبالفعل يُعدّ أمن الفرنسيين سبب وجود شبكتنا الدبلوماسية، فالمواطنون ينتظرون من الدولة أن تضمن لهم أمنهم، وأمن أُسرهم وذويهم وأمن مجتمعاتنا بأسرها، وهذا ما نراه في تأثّرهم وتضامنهم عند وقوع اعتداءات، كالاعتداء الذي وقع في الأسابيع الماضية في إسبانيا وفي مناطق متعددة في أوروبا وأفريقيا.
فالأمن هو حاجة راسخة وماسة وعلينا تلبيتها بلا تخاذل. ويفرض الاختيار بين الأمن والحرية معادلةً معقدة على الصعيد الوطني، ولكننا صرّحنا عن خياراتنا وهي واضحة وتتماشى مع قيمنا وأعرافنا الجمهورية وسنقرّها في نص القانون الذي سيُصوّت عليه في الخريف المقبل والذي سيتيح لنا إنهاء حالة الطوارئ بعد سنتين من إعلانها.
ويترافق الأمن مع الاستقرار الذي يمثّل تحديًا جغرافيًا سياسيًا تعرفون مدى تعقيده. ويجب على فرنسا بصفتها عضوًا في مجلس الأمن وقوة نووية أن تُحسِن تأدية دورها وتحقيق التوازن المطلوب في حال حدوث اختلالات. وعليها بصورة خاصة أن تحافظ على علاقاتها مع القوى العظمى التي تختلف مصالحها الاستراتيجية والتي قد تدخل في نزاع على بعض النقاط. وهذه هي الغاية من الحوار الدائم الذي أقيمه مع الرئيس الأمريكي السيد دونالد ترامب كالعديد من القادة الآخرين.
وإني أريد من فرنسا أن تقدّم الحلول وأن تأخذ المبادرات متى تبرز أزمات جديدة مثلما أريد منها أن تصبح قادرة على إسماع صوتها في العالم أجمع وعلى التدخّل لدى المنظمات الإقليمية كما فعلنا مثلًا في منطقة الساحل. ويتطلب ضمان أمن مواطنينا أن نضع محاربة الإرهاب الإسلامي في مقدمة سلم أولوياتنا في ما يخص السياسة الخارجية.
ونعم إني أتحدث عن الإرهاب الإسلامي وأتحمّل مسؤولية استعمال هذا النعت لأنه لا شيء أتفه من أن ننكر العلاقة بين الأفعال الإرهابية التي تُقترف وبين القراءة الأصولية والسياسية لهذا الوجه من الإسلام.
وفي هذا السياق لا يمكن القبول بالملائكية ولا حتى بالخوف من الإسلام، هذا الخوف الذي يخلط بين الإسلامي المتطرف والإسلام كدين والذي يشكك بملايين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا والذين لا علاقة لهم بهذه العقائد المتطرفة. ولن أنسى هنا المسلمين الذين يعرضون حياتهم للخطر ويقفون بوجه الظلامية الدامية.
وتتركّز جهودنا الرامية إلى مكافحة الإرهاب على منطقتين كبيريتين وهما سورية والعراق من جهة وليبيا ومنطقة الساحل من جهة أخرى. وما إن وصل تنظيم داعش إلى سورية والعراق حتى بدأ بالتخطيط للقيام بهجمات تستهدف مصالحنا وحياتنا وشعبنا.
نعم، تنظيم داعش هو عدوّنا، وتمثّل استعادة السلام والاستقرار في العراق أولوية حيوية بالنسبة إلى فرنسا في سورية. لذا يجب أن نسهم في استهلال عملية انتقال سياسي شامل يؤمن تمثيل جميع السكان على نحو عادل في العراق إلى حد ما وفي سورية على وجه الخصوص، وأن نعمل على إعادة إعمار هذين البلدين.

ويتعيّن علينا أن ننهي الحرب في سورية وأن نحقق السلام في سورية وفي العراق، ولهذه الغاية، رغبت منذ شهر أيار/مايو الماضي في أن نغيّر النهج المتبع في سورية. فمحادثات الأستانة وضعتنا في منأى عن إمكانية تسوية النزاع على صعيد وقف التصعيد العسكري، ولكن بعد استهلال حوار شاق مع الأتراك والإيرانيين والروس، تمكّنا من إحراز تقدّم إيجابي وملموس.
حددنا بدايةً هدفًا مشتركًا وأولويةً مشتركة وهما الانتصار على الإرهابيين وإعادة إرساء الاستقرار في سورية، ثم عملنا على تحديد خطّين أحمريين، الأول هو وضع حدّ نهائي لاستخدام الأسلحة الكيميائية، وحصدنا منذ محادثات فرساي نتائج ملموسة بهذا الشأن من الجانب الروسي وعليّ أن أُقرّ بذلك، أمّا الخط الأحمر الثاني فهو توصيل المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع. وإذ إنني على دراية تامة بالمخاطر التي ما تزال تخيّم على البلاد، لا سيّما في يخص المساعدات الإنسانية، سأولي عناية كبيرة لهذه المسألة بالذات.
وأخيرًا، اتخذنا مبادرة تشكيل فريق اتصال دولي يضم الجهات الفاعلة الأساسية الملتزمة بالقضية السورية. ووافق محاورونا على هذا الفريق الذي سيعطي زخمًا جديدًا للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة. وستسهم مساعي السيد جان إيف لودريان في تمكين هذا الفريق من المباشرة بأعماله إبان الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل.
وغني عن القول إن إعادة إحياء سيادة القانون في سورية التي ستتحقق يومًا ما والتي ستسهم فيها كلّ من فرنسا وأوروبا، لا بد وأن تترافق مع تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم في سورية ولا سيّما الحكّام السوريين.
أما ليبيا ومنطقة الساحل فهما بؤرة ثانية لانعدام الاستقرار، فالوضع الليبي جعل من البلاد مرتعًا يلتجئ إليه الإرهابيون. لذا قررت في تموز/يوليو الماضي أن أجمع القطبين البارزين في الأزمة، رئيس الحكومة السيد فائز السراج من جهة وقائد الجيش الوطني المُشير خليفة حفتر من جهة أخرى.
وأسهم لقاء لاسيل سان-كلو في 5 تموز/يوليو في إحراز تقدّم على صعيد عملية المصالحة بين الليبيين برعاية الأمم المتحدة. وبعد أيام قليلة، سوف نحرص، في نيويورك، على حسن تنفيذ خريطة الطريق التي اعتمدت في لاسيل سان-كلو دعمًا لأعمال الممثل الخاص الجديد للأمم المتحدة السيد غسان سلامة.
ومثّلت هذه المصالحة التي لم تكن سوى نقطة البداية والتي تهدف إلى أن تصبح أكثر شموليةً وأن تجمع القادة الليبيين الآخرين، مرحلةً ضرورية للعملية السياسية التي من شأنها وحدها اجتثاث الجماعات الإرهابية في ليبيا.
وعلينا أن نحمي البلدان المجاورة لليبيا من هذا الخطر ولا سيّما تونس،
وسيبحث وزير أوروبا والشؤون الخارجية هذا الموضوع في زيارة مرتقبة يقوم بها إلى المنطقة. وبما أن هذه الشبكات هي شبكات متنقلة ومنظّمة، علينا تجنّب أن تستقر في أفريقيا وخاصةً في جنوب الحدود الجزائرية والليبية، إذ أمست هذه القواعد الخلفية ملاذًا آمنًا للإرهاب الإسلامي.
وعليه، فقد كان قرار رئيس الجمهورية السابق انخراط فرنسا في الحرب في مالي وفي منطقة الساحل شرفًا لبلادنا وقرارًا سديدًا. وما يزال هذا الانخراط ضرورة، فهو يحثّنا أيضًا على التفكير بالمستقبل.
وعندما زرتُ غاو وباماكو، كنت أرغب في دعم الجهود المشتركة لبلدان المنطقة في المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، وترمي المعارك العسكرية التي نقودها في المنطقة وخاصة عبر عناصر قوّة برخان الفرنسية، إلى محاربة الإرهاب. وآمل أن يُعاد تقييم الأولويات في الأسابيع المقبلة وفقًا لهذا الهدف الجوهري.
ولكن لا معنى لوجودنا العسكري سوى ضمن إطار العمل السياسي الرئيس، لذا علينا بذل المزيد من الجهود في سبيل تنفيذ اتفاق السلام المنبثق عن عملية الجزائر العاصمة، لا سيّما في ما يخص الوضع الداخلي في مالي.
وعلينا أيضًا أن نبذل جهدًا إضافي على المستوى التنمية، وكان هذا الهدف من زيارتي إلى باماكو في تموز/يوليو الماضي بمعية وزيرة القوات العسكرية ووزير أوروبا والشؤون الخارجية، وأعلنا حينذاك عن تحالف من أجل تنمية منطقة الساحل بمشاركة شركائنا الأساسيين. وأعوّل عليكم لحشد كلّ الدعم الممكن من أجل تعزيز الخطوات الأمنية والإنمائية في منطقة الساحل.
وقررت مع السيد جان إيف لوديران تعيين مبعوث خاص يتولّى العمل على هذه المسألة. وإذا أردنا القيام بعمل فعّال، يجدر بنا المضي قدمًا في مهمتنا الأمنية والعسكرية ويُعدّ التزامنا في المجال الإنمائي ضروريًا من أجل إرساء الاستقرار في المنطقة، لأن الإرهابيين يستفيدون من عجزنا على تحقيق الاستقرار وهذا ما يساعدهم على التقدّم.
ويتطلب استئصال الإرهاب الإسلامي أيضًا قطع مصادر تمويله، فهي أحد الروابط التي تجمع بين الهجرة والإرهاب، وترتبط شبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة عبر منطقة الساحل ارتباطًا وثيقًا بالشبكات الإرهابية. لذا يمثّل تفكيك هذه الشبكات أولوية مطلقة وهدف النشاط الذي نقوده ميدانيًا مع مجموعةٍ من المنظمات الإقليمية ومع الاتحاد الأفريقي.
وأحرزنا تقدمًا ملحوظًا في مؤتمري قمة الدول السبع وقمة مجموعة الدول العشرين وخاصةً مع تعزيز فرقة العمل للإجراءات المالية التي تركّز فرنسا عليها جلّ جهودها.
ويستفيد اليوم الإرهاب وتمويله من الأزمات الإقليمية والانقسامات في أفريقيا وفي البلدان الإسلامية. وهذا ما تُظهره الأزمة في بلدان الخليج العربي، لذا منذ نشوب الأزمة الراهنة بين قطر وبلدان الجوار، حرصت على أن تؤدي فرنسا دورًا داعمًا للوساطة، وإنني لا أستخفّ بأي مصلحة من المصالح في المنطقة.
لكنه من الضروري في هذا السياق أن نتحدث إلى جميع الأطراف مع مراعاة هدفين اثنين، أولهما هو حفظ استقرار المنطقة وهو أمر ضروري، فغياب الاستقرار من شأنه أن يضيف أزمة جديدة إلى الأزمات العالقة، وثانيهما إزالة الستار عن جميع أوجه تمويل الإرهاب، وهنا ليست مسألة سذاجة بشأن ما كان من الممكن فعله أو ما حصل بالفعل في ما يتعلّق بالحركات الإرهابية التي نحاربها على بعض الجبهات.
وهذا ما يجب مواصلته في الأسابيع والأشهر المقبلة وإننا ملتزمون بذلك. وإحدى خفايا هذه الأزمة هو التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران وحلفائهما. ولن نبلغ هدفنا في مكافحة الإرهاب سوى بشرط عدم الانصياع للقواعد التأويلية التي تود أن تفرض الاختيار بين الشيعة والسنة وبعبارة أخرى تود أن تجبرنا على الاصطفاف وراء هذا الفريق أو ذاك.
وقد اتخذت بعض القوى العظمى الأخرى هذا الخيار، وأنا مقتنع بأنها ارتكبت خطأً بذلك. وتتجلى هنا أيضًا قوّة شبكتنا الدبلوماسية بقدرتها على التحدث مع جميع الجهات من أجل إرساء الاستقرار ومكافحة جميع مصادر تمويل الإرهاب على نحو فاعل. لذا أقمت حوارًا وثيقًا مع الأردن ومصر وبلدان الخليج العربي والعراق وإيران.
ومن هذا المنطلق، أؤكّد حرص فرنسا على اتفاق فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي آمل التقيّد به على نحو صارم. وجرى إصلاح هذا الاتفاق بفضل تدخّل فرنسا ولا سيّما بفضل تدخّل السيد لوران فابيوس عندما مناقشته، وأقول هذا بحضور السيد فابيوس. فما من حلّ بديل لنظام عدم انتشار الأسلحة النووية، ونحن حريصون أشدّ الحرص على تطبيقه.
ويُعدّ إطار هذا الاتفاق جيد ويمكن تكملته بنشاط إضافي لفترة ما بعد عام 2025، نشاط ضروري بشأن استخدام الصواريخ التسيارية، ولكن في السياق الذي نعيشه اليوم، فإن اتفاق عام 2015 يسمح لنا بإقامة علاقات بنّاءة وصارمة مع إيران.

وعلاوة على ذلك، أولي أهمية كبيرة لعلاقتنا مع لبنان الذي يعاني من التوترات والتناقضات التي تسود في المنطقة. وسأستقبل في الأيام المقبلة رئيس الوزراء اللبناني في باريس ثم رئيس الجمهورية في إطار زيارة دولة. ويمر لبنان في الوقت الحاضر بظروف شائكة، وستساند فرنسا لبنان بشجاعة كبيرة وبحس كبير بالمسؤولية وذلك باسم العلاقة العريقة التي تجمع بين البلدين وكذلك لأن هذه الإشكاليات تعنينا أيضًا ونحن ملتزمين بها.
وفي الإجمال، إذا أردنا النجاح في مكافحة الإرهاب ومصادر تمويله، يجب الحفاظ على علاقات صارمة مع الجميع ووضع جدول زمني واضح وأولويات محددة، وهي الأولويات التي سبق وذكرتها. لذا، أرغب في عقد مؤتمر في مطلع العام المقبل في باريس يهدف إلى حشد الجهود من أجل مكافحة مصادر تمويل الإرهاب.
وثمة تحدّ آخر يهدد أمننا واستقرار العالم وهو أزمة المهاجرين. وتنشأ هذه الأزمة إلى حدّ كبير بسبب حالات انعدام الاستقرار الإقليمي التي جئت على ذكرها آنفًا، ولكن ثمةً عوامل كثيرة أخرى كالعوامل المناخية والدبلوماسية والسياسية والإنمائية، فبالنسبة إلى الفرنسيين، تجسد هذه الأزمة العولمة التي تبرز في صلب مجتمعاتنا.
وهنا أيضًا، يجب أن نتصرف من دون أن ننكر قيمنا، فاستقبال المهاجرين هو واجب إنساني، وهي مسألة كرامة ووفاء لقيمنا ومعتقداتنا، وتمثّل هذه الأزمة تحديًا مهمًا لجميع البلدان الأوروبية لأنها باتت تتضرر بسبب تزايد موجات المهاجرين غير المستقرة منذ عام 2014 ولأن كلّ بلد ينصرف إلى مواجهة تحدياته الخاصة.
وأودّ في هذا السياق أن أشدد على الاختلاف بين المهاجرين الاقتصاديين واللاجئين، رغم أن هذا الاختلاف لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع ضرورة حماية الجميع واحترام كرامتهم. لكنه يبقى اختلافًا حاضرًا في حقوقنا الوطنية والدولية، فهو إذًا عامل مؤثر. والأكيد أن المعبر عبر البلقان قد أُقفل تدريجيًا في الأشهر الماضية، ولكن زهاء 3 ملايين لاجئ ما يزالون في تركيا، وما برح المحور البلقاني ناشطًا مع وجود شبكات من المهربين، ويعدّ تقديم يد العون لليونان في ما يخص هذه الأزمة واجبًا ملحًا.
أمّا المعبر عبر وسط البحر الأبيض المتوسط فقد بدأ يشهد منذ بداية الصيف تراجعًا ملحوظًا في عدد المهاجرين، ولكن ليس بوسعنا حتى الآن أن نحدد ما إذا كان هذا التراجع سيستمر. غير أنه ثمة زهاء 800 ألف لاجئ ونازح ينتظرون اليوم على الساحل الليبي، وهم يمثلون تهديدًا حقيقيًا يرتبط بما سبق وذكرته، وعلينا التعايش معه.
وغالبية هؤلاء اللاجئين والنازحين هم من بلدان غرب أفريقيا وهم بالكاد مؤهلين للحصول على الحق في اللجوء بصورة عامة.
وتنتظر كلٌّ من إيطاليا وليبيا منّا التعاون معهما على نحو وثيق، وبدأ هذا التعاون يؤتي ثماره، لا سيّما مع تعزيز نشاط خفر السواحل. ولكن المخاوف عادت لتخيّم على المعبر عبر شرق البحر الأبيض المتوسط نحو إسبانيا، وفي هذا السياق، وضعت فرنسا في الأسابيع الماضية خطّة شاملة ومتّسقة من أجل الكشف عن مسارات المهاجرين انطلاقا من بلدانهم ووصولًا إلى البلدان التي يقصدونها، وذلك من خلال الجهود المبذولة.
وهذا ما دفعنا إلى اعتماد بيان مشترك ذي صيغة غير مسبوقة يوم أمس في باريس، ويضم هذا البيان كلّ من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وتشاد والنيجر وليبيا والاتحاد الأوروبي، ويتيح، من خلال مجموعة من التدابير الملموسة ضبط الأوضاع في ليبيا وإمكانية وضع قوائم مغلقة تشرف عليها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتحدد السكان الأكثر هشاشة الذين يستحقون التمتع بالحق في اللجوء وذلك من خلال إرسال أفرقة عمل أوروبيين يعملون مع المفوضية، وبذلك نكون قد أّدينا دورًا إنسانيًا وفاعلًا. ويمكننا أيضًا التصدي لتحدّ إقليمي أفريقي من خلال تنظيم عودة هؤلاء المهاجرين إلى ديارهم، فآلاف المهاجرين يعيشون اليوم في النيجر وتشاد.
بيد أن هذه العملية ستستغرق وقتًا طويلًا وهي مضنية، لكن بفضل التدابير الملموسة والمحددة التي اتُخذت وبفضل التمويلات، أعتقد أننا سننجح في التصدي لهذا التحدي الذي يهددنا، وتمثّل هذه العملية أيضًا عملًا إنسانيًا وأمنيًا وإنمائيًا.
ومن أجل تنفيذ هذه الخطة، قررت تعيين سفيرًا يتولى تنسيق مختلف المفاوضات المتعلّقة بالهجرة، وشُكّل فريق عامل تحت إشراف وزير أوروبا والشؤون الخارجية، يستعرض الأوضاع مرحليًا مع الجهات الفاعلة ويتيح العمل على نحو وثيق مع الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.
فأفريقيا ليست قارة الهجرة والأزمات وحسب، بل قارة المستقبل، لذا لا يمكننا أن نتركها تواجه بمفردها تحدياتها السكانية والمناخية والسياسية، فلا بد للمنشآت والطلاب والباحثين والفنانين أن يهتموا بهذه القضية. وسأزور قريبًا واغادوغو لكي أوصل هذه الرسالة من خلال الأمن والتنمية والدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والابداع، وتتمثل الاستراتيجية التي أريد تنفيذها في تحديد محور متكامل بين أفريقيا وحوض البحر المتوسط وأوروبا.
وتُعدّ بلدان المغرب العربي في هذا المحور شريكنا المميز، وهذا ما أردت إظهاره في خلال زيارتي إلى المغرب وفي المحادثات المنتظمة مع الجزائر وتونس. وعلينا أن نعمل معًا على ربط القارتين الأوروبية والأفريقية عبر المتوسط، لذا سيبقى المغرب العربي أولوية أساسية بالنسبة إلى فرنسا في مختلف مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي.
ومعابر الحاجة هذه التي ينزح عبرها الكثير من الأفريقيين جعلت من الصحراء الأفريقية ومن البحر الأبيض المتوسط مدافن لملايين الأفريقيين الذين يعانون من الفقر المدقع والذين تتحكم بهم شبكات الاتجار بالبشر التي تحدثت عنها آنفًا، ويجب أن تتحوّل معابر الحاجة هذه إلى سبلٍ نحو الحرية تجمع بين أوروبا حوض البحر الأبيض المتوسط وافريقيا.
ففي القارة الأفريقية يُحدد مصير العالم باسره، فلا يجوز لفرنسا أن تكون بلدَ ما بعد الاستعمار الذي يتردد بين قوة سياسية ضعيفة وتائب فاسد، وستصبح البلدان الأفريقية شريكًا أساسيًا لنا، وعلينا أن نواصل التعلّم منهم مثلما يمكنهم أن يتعلموا منّا. ومن أجل إغناء هذا التبادل، سأشكل في الأسابيع المقبلة مجلسًا رئاسيًا لأفريقيا، وهو كيان لم يسبق له مثيل يلبي تطلعات الشباب.
وسيبدّل هذا المجلس الحوكمة السياسية الأفريقية من خلال تشكيل فريق يعمل معي ويضم شخصيات ملتزمة وأخرى منبثقة عن المجتمع المدني، وتمثّل أفريقيا هذا المجلس خير تمثيل، ويجب على هذه السياسة الأجنبية الراغبة في إعادة إرساء الأمن أن تفعّل ثلاثة عوامل محفّزة أساسية متزامنة إلى حدّ ما وهي الدفاع والتنمية والدبلوماسية.
وتُعدّ منطقة الساحل خير مثال على تركيبة العوامل المحفّزة للنشاط، لكن الأمر ينطبق على جميع المناطق الأخرى. الدفاع أولًا، وقد بدأت بالتحدث عنه في مطلع خطابي، ويمكننا بل يتعين علينا أن تكون فخورين بقواتنا العسكرية التي خصصت لها إحدى أولى زياراتي إلى الخارج، عندما زرت قواتنا العسكرية في غاو.
وأطمح في أن تثبت قواتنا نفسها من حيث جودة أنشطتها وقدرتها على الانتشار واستجابتها السريعة حتى في البعد الإلكتروني الجديد، وأن تكون من بين أهم القوات العسكرية في العالم وأن تتربع على عرش القوات العسكرية الأوروبية وأن تحمي فرنسا وقارتنا الأوروبية.
ولهذا السبب، أكّدت التزامي في زيادة حصة الدفاع في بلادنا إلى 2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2025 وأن أرفع ميزانيته اعتبارًا من عام 2018 بأكثر من مليون ونصف المليار يورو. ولكنّ أمننا لا يقتصر على نشاط قواتنا العسكرية وحسب مهما كانت قيمتها، ولن تصبح عمليتنا العسكرية فاعلةً على نحو تام ما لم تندرج في إطار نهج شامل. وأحرص في هذا السياق على أن تراعي عملية التقييم الاستراتيجي والدفاع عن الأمن القومي التي تشرف عليها وزيرة القوات العسكرية إسهام الشبكة الدبلوماسية في الوظائف الاستراتيجية الخمس الأساسية من الكتاب الأبيض الخاص بالدفاع والأمن القومي لعام 2013.

وأما من ناحية التنمية، فقد حددت هدفاً باستثمار 0.55 في المئة من دخلنا القومي في المساعدة العامة للتنمية الفرنسية حتى عام 2022، وتمثل هذه النسبة حصةً كبيرة من الميزانية للسنوات الخمس المقبلة. ويجب أن يترافق هذا الجهد بتغيير في النهج، وذلك من خلال العمل بتآزر وثيق مع جميع الجهات الفرنسية المعنية من قواتنا المسلحة، أو جماعاتنا الإقليمية أو القطاع الخاص أو المنظمات غير الحكومية على النحو الذي تتبعه الآن الوكالة الفرنسية للتنمية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، من خلال الوصول إلى المستفيدين من المساعدة في البلدان الشريكة على نحو فعال ومباشر.
كما أنني أتمنى أن يحظى التعاون الثنائي بحصة أكبر في إطار مساعدتنا من أجل التنمية في الأعوام المقبلة. يمثل التعليم أولوية بالنسبة إلينا لأنه يجب أن يحل محل الأصولية والقوى الظلامية، أما الأولويات الأخرى لهذه الشراكة المتجددة فستكون لدور المرأة، ومكافحة تغير المناخ، والانتفاع بطاقة نظيفة، واجتثاث الأوبئة ومنها فيروس نقص المناعة البشرية الذي لا يزال يمثل تهديداً كبيراً للقارة الأفريقية على الرغم من التقدم الكبير الذي أُحرز في هذا المجال.
وشهدت الأداة الدبلوماسية في الأعوام الأخيرة تدهوراً في التقدير الذي تتمتع به على الرغم من عملكم الدؤوب من أجل إعادة كامل القوة إليها والحفاظ على هذه القوة من خلال الابتكار والالتزام المستمر.
وسأحرص شخصياً على أن تتوافر لكم الوسائل اللازمة للاضطلاع بمهامكم، وأعلم أن رئيس الوزراء حريص جداً على تحقيق هذه الغاية، من خلال تحقيق الأمن لموظفينا، وهذه أولوية مطلقة بالنسبة إلينا، وتشغيل إحدى الشبكات الدبلوماسية الشاملة النادرة في العالم مع العمل على تكييفها باستمرار، وتسديد مساهماتنا المالية إلى المنظمات الدولية وتمويل برامجنا الخاصة بالإشعاع الثقافي أو بالمساعدات الإنسانية أو بالتعاون من أجل التنمية؛ ولذلك سيكون عام 2018، عام الاستقرار في الميزانية.
وإذا فرض الأمن نفسه كأولوية، فذلك لأنه يشكّل دعامة للمحور الثاني الذي تضطلع به دبلوماسيتنا، ألا وهو الاستقلالية، وأنا لا أقصد بهذا المصطلح إطلاقاً الانعزال التام، ولكنني ببساطة أستخلص العِبر من هذا العالم المتعدد الأقطاب وغير المستقر حيث يتوجب علينا أن نقوم بالمناورة كل يوم تبعاً لمصالحنا. ولذلك علينا أن نتحرك ونكون مستقلين وقادرين على عقد التحالفات وأن نتوغل تماماً في لعبة التعددية، ففي الوقت نفسه، علينا أن ننضم إلى التحالفات التقليدية القائمة، وأن ننتهز الفرصة بإبرام تحالفات ظرفية تتيح لنا التمتع بفعالية أكبر.
ولن تتمكن فرنسا من إبراز أولوياتها إلا من خلال تمتعها بالاستقلالية دون غرور، مع تحمل نتائج هذه الاستقلالية، مما يقتضي في المقام الأول أن نكون حاضرين وفاعلين للغاية في الهيئات المتعددة الأطراف، وعلى رأسها، بكل تأكيد، منظمة الأمم المتحدة.
ولم تكن مجرد مصادفة أن يكون الأمين العام للأمم المتحدة هو أول زواري الدوليين في باريس، ولا أنسى أن بلدنا جزء من جميع الدوائر الهامة في هذه المؤسسات، ويتشرف باستضافة عدد منها على أرضه، مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، والمنظمة الدولية الفرنكوفونية، ومجلس أوروبا، ومنظمة اليونسكو التي تضطلع في نظري بمهام أساسية، وأدعم المرشحة الفرنسية لإدارتها.
ولهذا أتمنى أيضاً إعداد صيغ جديدة متعددة الأطراف عندما يقتضي الأمر، على النحو الذي نتّبعه من أجل سورية. وكذلك يجب أن تخضع الأزمة مع كوريا الشمالية لتسوية جماعية، وفي الوقت الذي أثبتَ فيه القادة في بيونغ يانغ مرة أخرى عدم تحملهم المسؤولية، وأشدد على تضامن فرنسا مع اليابان. وسنواصل الدعوة إلى تنفيذ سياسات صارمة بحق كوريا الشمالية، في حين يتصاعد التهديد التسياري والنووي الذي يمسّ أوروبا أيضاً. وفرنسا على اتصال مع باقي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي جاهزة لاتخاذ أي مبادرة جديدة ومفيدة في منع التصعيد، وتعيد بيونغ يانغ إلى طاولة المفاوضات، وتنفذ القرار المعتمد في 5 آب/أغسطس بصرامة.
والتعددية هي أيضاً القدرة على تنظيم مشروعات كبيرة تسهم في هيكلتها، وأنا جاد للغاية بقولي إن لم نلحق بركب التعددية فإن قوى كبرى أخرى ستسيطر على أدواتها، وقد بدأت هذه القوى بذلك، وفي مقدمتها الصين التي تقدم التزامات كبيرة، ولا سيما في مجال المناخ، الذي سأعود إليه لاحقاً، وهذه الالتزامات عبارة عن ضمانات مقدَّمة تترافق مع قيم ومصالح لا تتفق في بعض الأحيان مع قيمنا ومصالحنا. فعلينا إذاً أخذ هذه المبادرات في اعتبارنا، لكن يجب علينا معرفة كيفية إحياء الأشكال الحالية للتعددية التي لدينا فيها موقع أساسي، وكيفية إضفاء الاتساق والانسجام عليها.
وكنت أقول أن الصين أخذت مبادرات هامة في السنوات الأخيرة، فطريق الحرير الجديد مثال على مشروع جغرافي سياسي كبير تقوده الصين، ويجب علينا أخذه في الاعتبار انطلاقاً من مصالحنا الأوروبية.
وقد نُفذ في الأعوام السابقة عمل دبلوماسي ذو أهمية تحديداً من أجل إعادة بناء شراكة قوية مع الصين، بالاعتماد على تقليد تاريخي، وأنا أرغب في مواصلة هذا العمل، وبناء علاقة قوية مع الصين مع الوقت، وهي التي نشترك معها في عضوية مجلس الأمن، حتى تساهم هذه العلاقة في استقرار التوازنات الدولية، لكن دون السماح لأي غموض أن يلفّ توازنات هذه العلاقة، والقيم التي تستند إليها.
وبالتأكيد، أنا أولي أهمية كبيرة لشراكاتنا مع اليابان ومع الهند أيضاً التي سأزورها قبل نهاية العام، ولا سيما شراكتنا في إطار التحالف الدولي للطاقة الشمسية الذي قبلت السيدة سيغولين رويال الاضطلاع بمسؤولياته، وهو سيسمح بتنسيق العمل وسيجمع كل الشركاء والقوى التي يمكننا تعبئتها لتحقيق المنفعة.
وفي أثناء الزيارة الهامة للأمين العام للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط، من الأساسي أن تستمر فرنسا في التأثير في القضية الإسرائيلية- الفلسطينية، وسنواصل بذل الجهد إلى جانب الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حلّ الدولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب في أمان ضمن حدود يعترف بها المجتمع الدولي، وتكون القدس عاصمة الدولتين. ولهذا أرغب في الذهاب إلى الشرق الأوسط في الربيع المقبل، حيث سأزور كلاً من لبنان والأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية.
وأنتم ترون جيداً أن الاستقلالية التي نتحدث عنها هنا، ليست استقلالية السيادِيين الذين يختبؤون خلف حدود يأملون أن تكون مُحكمة، إنها الاستقلالية التي تسمح لفرنسا بإسماع صوتها، وإبراز مصالحها على الصعيد الدولي، وهي التي تؤثر في مسار العالم عوضاً عن أن تكون رهينته. والاستقلالية هي التي تسمح بألا نكون رهن إشارة القوى الكبرى، بل أن نكون محاورِيهم، ولذلك أرى أن التعددية هي إحدى وسائل تحقيق استقلاليتنا. وهذه الاستقلالية هي سيادة منفتحة على العالم، ولكن هذه السيادة تقتضي أن نتحملها جميعاً عندما تتجاوز الصعوبات الإطار الوطني.
وبالنسبة إلى فرنسا، فإن أوروبا هي المكان الذي نبني فيه عوامل قوتنا، ونتعامل فيه بشكل جيد مع التحديات التي تواجهنا، وهي موطن سيادتنا اليوم.
وقد حملتُ الطموح الأوروبي إلى حملة الانتخابات الرئاسية وكانت لدي قناعة كبيرة به، على الرغم من المتشائمين الذين يعتقدون بأن الدفاع عن أوروبا أصبح فكرة بالية أو محكومة أساساً بالفشل. وعملت منذ تسلمي منصب الرئاسة على تجسيد هذا الطموح من خلال زيارتي برلين من أجل تحويل هذا التحالف بين فرنسا وألمانيا أو هذه الدعامة، ليس إلى حلّ لجميع المشكلات، وإنما إلى شرط يقدم إمكانيات للبدء بتسوية هذه المشكلات لنتمكن بعدها من إقناع جميع شركائنا.
وهناك قدمت مع المستشارة جدول أعمال للحماية بغية مصالحة الأوروبيين مع فكرة بناء أوروبا، لأن جدول الأعمال هذا هو قلب السيادة الأوروبية. فما ينتظره مواطنونا من أوروبا هو حمايتهم من مسار العالم، وهذه هي الشرعية التي تحدث عنها كتاب " لوياثان" وكنا قد نسيناها، وهي لا تعني أن تتدخل أوروبا في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا، فيتحول الشكل الافتراضي لكل ممارسة سياسية إلى ممارسة بيروقراطية. لا، ليس هذا، فجدول أعمال الحماية الذي ننفذه منذ أربعة أشهر ينقسم إلى أربعة محاور.
أولًا، حماية العمال التي ترتبط بالإصلاحات التي نجريها في بلادنا، ومنها مراجعة قواعد العمل في عدة بلدان أوروبية بصفة مؤقتة. وثانيًا، إصلاح قانون اللجوء والتعاون الأوروبي في موضوع الهجرة، وهما أساسيان لحمايتنا جميعاً من المخاطر التي تحدثتُ عنها قبل قليل. وثالثًا تحديد سياسة تجارية وإعداد صكوكٍ لمراقبة الاستثمارات الاستراتيجية من منطلق المعاملة بالمثل، لأن أوروبا يجب أن تغدو قوة اقتصادية كاملة، تعرف كيف تحمي نفسها من الإغراق أو من تصرفات القانون الدولي غير اللائقة، وذلك على غرار ما تقوم به الولايات المتحدة والذي نسينا أن نفعله نحن.
وأخيراً، تطوير الدفاع الأوروبي، ونحن نتحدث عن هذه الفكرة منذ سنوات طوال، لكنها أحرزت تقدماً ملموساً في المجلس الأوروبي الأخير بعد أن حظيت بتحفيز من المفوضية الأوروبية وبدعم من الثنائي الفرنسي- الألماني، إذ أنشئ صندوق، ونُفذ تعاون منظم دائم بدأنا بتجسيده منذ انعقاد القمة الفرنسية- الألمانية ومجلس الوزراء الفرنسي- الألماني الذي تلاها في 13 تموز/يوليو الماضي.
وقد بدأنا بحصد النتائج الأولية في كلٍ من هذه المجالات، التي تمثل الشرط لتحقيق هذه المصداقية ولمصالحة عدد من مواطنينا مع الفكرة الأوروبية.
وبعد الانتخابات الألمانية المقبلة، أي بعد بضعة أسابيع، سأقترح خطوات جديدة من أجل إنعاش أوروبا، وأطمئنكم إلى أن هذه الخطوات لن تكون تغييرات في المعاهدات المبرمة، ولن تكون هواجس مؤسسية، ولكنها وبطريقة ملموسة، ستكون مجموعة من الموضوعات التي ستعيد الطموح إلى أوروبا، والرغبة في أوروبا إلى مواطنينا، لأننا يجب أن نبدأ اليوم بإعادة التأسيس، لأن قناعتنا الأوروبية تُلزمنا بذلك، وهي تُلزمنا بألا نترك أوروبا تغرق في رتابة المشاحنات التكنوقراطية، وتُلزمنا بألا نتنازل عن ضرورة التغيير والحماية لصالح القوميين من جميع الجهات، وتُلزمنا بأن نبرّ الوعد الأوليّ الذي قطعناه والذي أعاد جمع أطراف القارة الأوروبية بعد الحرب، وأعاد السلام والازدهار والحرية، وباختصار، فهي تُلزمنا بأن نتحرك حتى نتجنب التشرذم.
وستقدم فرنسا كذلك اقتراحات من أجل تعزيز الاتحاد الاقتصادي والنقدي، وتعزيز التوافق بين سياساتنا الاجتماعية والضريبية، والسماح بأن يتوافق الاتحاد الأوروبي بصورة أفضل مع الأفكار التي تعني الشباب، ولا سيما فيما يتعلق بالثقافة، وكذلك من أجل تعميق الدفاع الأوروبي، وتعزيز السياسة الأوروبية للهجرة، وإيجاد سياسة أوروبية حقيقية للمناخ والطاقة. وجميع هذه التحديات نواجهها في بلدنا، والحكومة تعمل على حلها يومياً، أما بالنسبة إلى أوروبا، فكما عرفت كيف تتصرف عندما أسست برامج من نمط برنامج إيراسموس لتبادل الطلاب الجامعيين، عليها أن تعود إلى جوهر طموحها، أي أن تجد إجابات ملموسة لشواغل المواطنين، في مجال التعليم العالي، والثقافة والمناخ وأمننا الجماعي. وهذه هي الاقتراحات التي سأقدمها لشركائنا في الأسابيع المقبلة.
أما في المجال الرقمي الذي يُعدُّ بالتأكيد جزءاً من هذا الطموح، فإن حماية بياناتنا، وتنظيم عمالقة الإنترنت، ودعم الأبطال العالميين، لا يمكن أن تتحقق إلا على المستوى الأوروبي وستكون جزءاً من هذه المبادرة، ولكنني أتمنى في هذا الصدد، واعتباراً من نهاية أيلول/سبتمبر في قمة تالين، أن نتمكن من اجتياز مرحلة مهمة.
ويجب أن تستند عملية إعادة التأسيس التي نعتزم اقتراحها إلى الثقة والنقاش، ويجب أن تُشرك الجميع ولا سيما الشباب الأوروبي. وأعتقد أن الاستفتاء الفرنسي الذي أُجري في عام 2005، والذي جعلنا نتردد كثيراً فيما يتعلق بأي تحرك على الصعيد الأوروبي، والاستفتاء الذي أُجري مؤخراً في المملكة المتحدة يظهران انتهاء عملية إعادة تأسيس أوروبا داخل الدوائر المغلقة أو في الأوساط المخولة لذلك.
ولن تتم عملية إعادة التأسيس إلا من خلال نقاش ديمقراطي منظم تحتاجه مجتمعاتنا. والشعوب الأوروبية بحاجة إلى إعادة تبَني فكرة أوروبا، ولذلك سنطلق في الأشهر المقبلة في فرنسا وفي البلدان الراغبة بذلك، اتفاقيات ديمقراطية حتى نُشرك مواطنينا بطريقة أفضل في التفكير في مستقبل أوروبا.
وفي الأشهر القادمة، سنتفاوض على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ورسالتي هنا بسيطة، فأنا أفضل بناء المستقبل على تسوية الماضي. ونحن لا نطمح إلى الإدارة وإنما إلى التغيير، وقد وصلنا إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لأننا لم نجرؤ خلال سنوات على تقديم اقتراحات، كما أننا لم نجرؤ على عقد اجتماع لمنطقة اليورو بصيغتها المبسطة حتى لا نزعج البريطانيين من جهة والبولنديين من جهة أخرى. وأي شكر جنيناه من ذلك؟ فلنكمل! فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يجب أن يمتص كامل طاقتنا، إذ عانت أوروبا كثيراً جراء تحولها إلى اتحاد لإدارة الأزمات، فخروج بريطانيا يجب أن يحملنا على التفكير في مسألتين أساسيتين، فعندما يقتصر دور أوروبا على كونها سوقاً، تتعرض للرفض، ولذلك يجب علينا إعادة بناء اتحاد طَموح ويقدم الحماية؛ فبوجه خاص، يجب أن يحثنا هذا الوضع غير المسبوق على المزيد من الابتكار، ويجب أن نفكر في أن تكون أوروبا متعددة الصيغ، وأن نتقدم أكثر مع كل الذين يرغبون في التقدم، دون أن تعيقنا الدول التي ترغب في إحراز تقدم أقل أو في قطع مسافة أقصر، وهذا حقها. ويجب علينا أن نخرج من الإطار الملزم الذي يقول بأنه يجب علينا أن نتقدم غداً بسبعة وعشرين دولة أو لا نتقدم أبداً، أو بتسعة عشر دولة أو لا نتقدم مطلقاً. وهذا ليس صحيحاً، فلطالما تقدمنا تحت راية الرغبة بأن يتبعنا البعض. وقد أنشأنا حالة من الجمود والملل، فبماذا أفادتنا؟ لقد جنينا الاستياء، فعلينا هنا أيضاً أن نعود إلى الطموح الأوليّ.
ويجب علينا أن نتحلى بشجاعة التراجع عن الإجراءات التي جعلت أوروبا في بعض الأحيان مبهمة وغير محتملة بالنسبة إلى الأوروبيين أنفسهم، وعلينا أن نتحرك باتجاه تحقيق تبسيط إداري جذري، والمزيد من التفويض، فلا يجب أن يبعدنا خروج بريطانيا عن هذا النقاش الذي بدأ بتحفيز منها. ويتماشى التزامي بمراجعة التوجيهات الخاصة بالعمل في عدة بلدان أوروبية بصفة مؤقتة تماماً مع هذا الطموح، وقد حملت هذه المراجعة منذ عدة أيام إلى بلدان شرق أوروبا. وإن هذه المعركة تزعزع توافقات الآراء الظاهرية، وأنا أتحمل هذه المسؤولية تماماً، لأن هذه التوافقات التي سادت غالباً في السنوات العشرين الماضية، هي توافقات متكاسلة.
وبالتأكيد، سيكون من البسيط الاكتفاء بالمياه الراكدة، والسماح بازدهار الذين يعملون من الداخل على تقويض المشروع الأوروبي، وقبول انتقادات بعض الدول التي تقول بأننا منغلقون، وأننا لا نقوم بإصلاحات، وأن سوق العمل لدينا ليست فعّالة ، والقبول الضمني بقيام عدة جهات اقتصادية في فرنسا بأفعال على الرغم من أنها تُدينها علناً في ورشات البناء التي تُديرها، وترك بعض البلدان تفتح الممرات المائية في أوروبا دون احترام أي قاعدة من قواعد التضامن الجماعي. ولكن ليست هذه هي الطريقة التي نحب فيها أوروبا، وهي ليست الطريقة التي قادت إلى إنشاء أوروبا. فالسوق الموحدة ليست عبارة عن أسواق مفتوحة ببساطة على بعضها البعض، بل هي مبدأ للتوافق، وإرادة للتحرك في الاتجاه نفسه، والتطلع إلى طموح مشترك، والقدرة على مناقشة معاييرنا المشتركة، وهي لا تعني استجلاب أبخس العروض في المجال الاجتماعي أو الضريبي أو في مجال الحماية، لأننا نعرف تقريباً مآل ذلك.
وإذا ما قررنا أن أوروبا هي مستقبلنا المشترك، فيتوجب علينا تجاه مواطنينا إجراء تسويات طموحة، ومراجعات منتظمة، لأن الأوضاع ليست جامدة في أوروبا أكثر من أي مكان آخر.
وما تنتظره شعوبنا من أوروبا التي أصبحت أكثر وضوحاً، والتي يجب أن تحميهم بصورة أفضل، هي أن تعرف كيف تفرض نفسها في سياق العولمة التي نشعر بقسوتها أكثر فأكثر، وبالتأكيد لا يتم ذلك عن طريق الانغلاق، وإنما بفرض احترام القواعد التي تضمن الولاء في المبادلات، والانفتاح التجاري المتبادل.
وأوروبا هي الهيئة المناسبة لاستضافة منصات الإنترنت والقوى التجارية والمالية الكبرى، إذا ما توفر لها الوضع الذي يسمح لها بالاضطلاع بدورها هذا، وإذا ما توفرت لها الأدوات الضرورية لذلك، وإذا ما حظيت بثقة الدول الأعضاء، وباختصار، إذا ما حصلت على سيادة حقيقية باسم بلداننا وأمام بقية العالم.
ولكن اسمحوا لي في هذه المرحلة أن أبدد شكاً قد يكون لديكم، فإذا ما أوكلتُ إلى سياستنا الخارجية محوري الأمن والاستقلالية، فليس حتى أجعل من فرنسا بلداً صغيراً خائفاً وحريصاً على هدوئه، بل على العكس من ذلك، حتى أضع هذه المبادئ ومكامن القوة في خدمة ما هو أكبر منا، وأجعل منها أسساً لتأثير يتعاظم ويتمحور حول قيمنا ومثلنا، حتى تُسمع هذه المجموعة صوتها مجددًا إلى العالمية التي تبنينا في العمق.
وعندما ننظر في الواقع إلى العالم من حولنا، فإننا نرى أمراً مؤكداً، ألا وهو أن أوروبا هي أحدُ آخر الملاذات التي ما تزال نتشارك فيها على نطاق واسع مُثل عصر الأنوار وهي الديمقراطية الانتخابية والتمثيلية، واحترام شخص الإنسان، والتسامح الديني، وحرية التعبير، والاعتقاد بالتقدم، ولا تزال هذه المُثل ترفد أفقنا الجماعي. وأنا أدعو هذه المُثل بمنافعنا العامة، ويجب على فرنسا أن تدافع عنها دون كلل لأنها في صميم دعوتها، ولأن فرنسا تعبّر بهذه الطريقة عن تضامنها مع العالم.
والأرض هي أول منافعنا العامة، وقد شاركت فرنسا بقوة في هذا الالتزام من خلال استضافتها الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف الذي أفضى إلى إبرام اتفاق باريس بشأن المناخ، وهو مثال على تعددية جديدة مفتوحة أمام جهات غير حكومية وقائمة على العلم. والاتفاق هو نجاح لفرنسا ولدبلوماسيتها، وأرغب هنا أن أهنئكم، وقد قاد هذه الدبلوماسية من قبل سلَفي، وهذا نجاحكم ونجاحه. وسأبذل ما بوسعي حتى أصون هذا الاتفاق وأؤمن تنفيذه بأفضل ما يمكن. وهو جوهر المبادرة التي اتخذتها في 1 حزيران/يونيو رداً على القرار الأمريكي، وهو كذلك جوهر القمة التي قررت تنظيمها في 12 كانون الأول/ديسمبر المقبل في الذكرى السنوية للدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف، بالاشتراك مع البنك الدولي بوجه خاص، ومع جميع شركائنا الراغبين في المشاركة، وهي تأتي بعد سنتين من توقيع اتفاق باريس من أجل التمكن من إجراء استعراض مرحلي للتقدم المحرز، وجمع الأموال الضرورية.
وفي نهاية أيلول/سبتمبر، سأحث في الأمم المتحدة على إعداد ميثاق عالمي بشأن المناخ واعتماده، برعاية رئيس المجلس الدستوري، وهذا الميثاق هو حصيلة عمل فريق من الخبراء الدوليين، وهو سيتيح إحراز تقدم حقيقي.
ويجب علينا أن نتخذ مبادرات هامة في هذا الصدد خلال الأشهر المقبلة، وألا تقتصر على القوانين، وإنما تكون أيضاً لصالح التنوع البيولوجي والعديد من الموضوعات الأخرى التي عرضها وزير الدولة نيكولا أولو بداية الصيف في إطار خطة المناخ التي يقوم بتنسيقها بالضرورة بين جدول الأعمال الوطني والأوروبي والدولي.
وسيتيح هذا التنسيق للوزير أن يحمل في الفترة المقبلة التزامات واضحة جداً، إذ ستعمل فرنسا على الانسجام مع هذه الالتزامات من أجل الحفاظ على قدرتها على تحفيز الحركية الدولية هذه.
ومن الضروري أن نقيم حوارًا وثيقًا في هذا الصدد مع الشركاء الذين قرروا اتخاذ إجراءات طموحة في هذا الشأن. وأنا أفكر بوجه خاص في الصين، وهي شريك لا غنى عنه نظراً إلى القرارات الأخيرة للولايات المتحدة، وأفكر في الهند التي سنزورها نهاية هذا العام.
وفي مواجهة الأضرار الناتجة عن الاحترار العالمي، والتلوث الهائل، اعتمدت الكثير من البلدان سياسات مبتكرة وهي تنتظر أن ندعمها دون تخاذل، ويمكن لإرادتنا المشتركة، وقدرتنا على الابتكار، وتعاوننا العلمي والاقتصادي أن يغيروا فعلياً مجرى الأحداث.
وأما السلام فهو ثاني المنافع العامة، هو الذي يسمح للمرء باختيار حياته وبناء مسيرته وتأسيس عائلة، وأن يحلم بكل الأحلام الممكنة. ويمكن أن نبدو سُذج إلى أبعد الحدود، أو كنا نبدو سذج إلى أبعد الحدود من عدة سنوات خلت عندما كنا نقول هذه الكلمات، لكن التاريخ ذكّرنا بنفسه. فقد نسينا أن 70 عاماً من السلام على قارتنا الأوروبية كانت تغييراً في مجرى تاريخنا المشترك، ومع ذلك، هذا ما سمحت أوروبا بتحقيقه.
ولكن التهديد صار على أبوابنا، والحرب في قارتنا، ولهذا لن نوفر جهودنا لا في سورية، بالتأكيد، ولا في أوروبا من أجل الحفاظ على الحوار مع روسيا، ولن نتنازل عن طلباتنا من أجل حل الأزمة مع أوكرانيا، وتسوية كل النزاعات العالقة في قارتنا.
وستواصل فرنسا وألمانيا معاً بذل كل الجهود من أجل تنفيذ اتفاقات مينسك بصيغة النورماندي، في الوقت الذي يموت فيه الكثير من الناس في دونباس. وأدعو جميع القوى الموجودة إلى التقيّد بوقف إطلاق النار الذي قُرر في الأسبوع الماضي. وهو يصب في صالح أمننا، وفي صالح إحلال السلام في أوروبا. ويتمتع حلف شمال الأطلسي في مثل هذه المواقف بفائدة كبرى، وستكون القمة المزمع عقدها في عام 2018 في هذا الشأن، فرصة للتفكير في إضفاء نفحة جديدة على هذه المؤسسة.
وتمثل العدالة والحريّات ثالث المنافع العامة، وهي الدعامة الحية للحقوق الأساسية التي ناضل من أجلها ملايين النساء والرجال وهم ما يزالون يناضلون من أجلها كل يوم. ولا بد أن يكون هذا الميراث الذي يتطور باستمرار والذي يشكك فيه الدكتاتوريون والمجرمون ومرتكبو الاتجار بكافة أنواعه، خميرة عملنا الجماعي. وينبغي لدبلوماسيتنا أن تواصل الدفاع بنشاط عن الحريات الأساسية المتمثلة بمكانة المرأة، وحريات الصحافة، واحترام الحقوق المدنية والسياسية في جميع أنحاء العالم.
فحقوق الإنسان ليست مجرد قيم غربية، إنها مبادئ عالمية ومعايير قانونية تعتمدها جميع بلدان العالم بحريّة، وهي حقوق لا بد لنا أن نفسّرها وندافع عنها ونحسّنها باستمرار. وفي هذا الصدد، سأزور مجلس أوروبا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر.
ولا أتمنى أن يكون هذا العرف القانوني الفرنسي الذي يحمله عدد كبير من منكم في هذه القاعة معترفًا به اعترافًا كاملًا وحسب - وبالعفل هذا هو الحال إلى حد كبير- وإنما أتمنى أن يؤثر في جميع شركائنا الذين يأخذون في بعض الأحيان مسارات أخرى حيث يتيهون في وجه التهديد.
وأود أيضا أن أشيد إشادة خاصة بالمنظمات الدولية مثل المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر ورئيسها ضيف شرف مؤتمرنا، فضلًا عن عدة منظمات غير حكومية أخرى تعمل في الظروف الأكثر خطورة على الحدّ من العنف ضد المدنيين وتحيي إنسانيتنا.
ولذلك لا يمكن للحوار مع الجميع الذي أعتبره ضروريًا لدبلوماسيتنا، أن يمنع التذكير بهذه العناصر الأساسية. فلا يمكن لتبادلاتنا الدبلوماسية والاقتصادية مع روسيا أو تركيا أو الصين أن تبرر التستر عن مسألة حقوق الإنسان بحجاب من الحياء، لأننا بذلك نخون أنفسنا. وعلينا أن نحترم محاورينا وتاريخهم الخاص وتطورهم الخاص، من دون تجنب مثل هذا الحوار.
لأننا بنينا أنفسنا بفضله، لأنه كرامتنا، لأنه أحد الأسباب التي نكافح من أجلها وبحزم الإرهاب الذي تحدثت عنه منذ قليل. ولدى مواطنينا هذا المطلب. فهم لا يفهمون رضا البعض عن النظام الذي ينشأ في فنزويلا.
اسمحوا لي أن أقول إن موضوع الأزمة الحالية في فنزويلا يثير القلق. إذ تحاول دكتاتورية الصمود أن تستمر على حساب ضائقة إنسانية لم يسبق لها مثيل تتمثل في تطرف ايديولوجي مقلق على الرغم من أن موارد هذا البلد لا تزال كبيرة. وأود أن أفكر مع حكومات أمريكا اللاتينية وأوروبا في كيفية تجنب المزيد من التصعيد، بما في ذلك على الصعيد الإقليمي.
وكذلك، من واجبي أن أتكلم دون التلاعب بالألفاظ لدعم المفوضية الأوروبية عندما ترى أن سلطات دولة عضو تنفذ سياسة تتناقض مع المبادئ الأساسية للاتحاد وترغب في تشجيع إصلاحات قضائية لا تتوافق مع مبادئ الاتحاد. وأستغرب أحيانًا احتجاج أولئك الذين يدّعون الدفاع عن تلك الحقوق أو المصالح نفسها في بلادنا عندما نقول الحقيقة لدولة عضو أو ندعم المفوضية في مساعيها.
وأخيرًا، فإن الثقافة تمثل أحد منافعنا العامة. وتكون هذه الممتلكات الثقافية معرضة للخطر في كل مكان وفي كل مرة تكون فيها الديمقراطية مهددة، وفي حالة الحرب. وسنواصل العمل ضمن التحالف الذي أقامه سلفي بمعية عدد كبير منكم والذي يهدف بالتحديد إلى حماية الممتلكات الثقافية في جميع مسارح العمليات، وسأشرك فيه قوتنا دبلوماسية، ونشاطنا. وهذا ما يشير إلى اتساق الإجراءات التي نتخذها في بلدنا من أجل تطوير إمكانية الانتفاع بالثقافة كأحد أصوات تحرير الدفاع عن نموذج حضارتنا ضد الإرهاب. إنه النضال الذي يجب أن نحمله في كل مكان على الساحة الدولية تهدد فيه هذه الممتلكات الثقافية لأنها تُعدّ جزءًا من منافعنا العامة.
ويستند التضامن العالمي الذي تنشره فرنسا في الدفاع عن المنافع العامة للبشرية إلى شرط وهو أن تقدم فرنسا للعالم نموذجًا مستصوبًا. وعليه، فلا تأثير من دون استقطاب. ولا شك في أن المصدر الأول للاستقطاب هو الاقتصاد. يمكننا اعتماد الخطاب الذي ألقيته للتو، ولكن إذا قبلنا إلى جانب ذلك باقتصاد ضعيف تتعدد فيه السياسات فلا نكون متّسقين بكل بساطة. ولا نعطي أنفسنا السبل للنجاح.
وإذا لم نحاول مواجهة جميع التحديات الوطنية لنرتقي إلى مستوى هذا التحدي، والحصول على التعليم وجامعات بمستوى هذا التحدي، وقوة اقتصادية تمكننا من مواجهة هذا التحدي، فلا نكون متّسقين. وبالفعل، علينا أن نتابع تطوير مصدر الاستقطاب هذا الذي يمثله اقتصادنا لأنه سمة من سمات السلطة ولأنه أولوية العمل الدبلوماسي.
وأرغب هنا أن أؤكد ما تقرر منذ عدة سنوات، تمثّل الدبلوماسية الاقتصادية إحدى أولويات شبكتكم، وأود أن أؤكد ذلك وأدعم رغبة الوزير جان - إيف لو دريان هذه. وهي تبدأ ببذل المزيد من الجهد لمساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم على الاستقرار في أسواق البلدان التي تمثلون فرنسا فيها.
وإنني أناشدكم بمرافقتها وبتطوير شبكة المتطوعين الدوليين التي تمثل أداة استثنائية للاندماج المهني والانفتاح الدولي للشباب الفرنسيين وتوسيع نطاق هذا الانفتاح. وينبغي لكم أيضًا المساعدة على استقطاب استثمارات جديدة في فرنسا من شأنها استحداث فرص عمل وقيم جديدة. وفي هذا الصدد، يمثل خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي فرصة مؤاتية لذلك. وتمثل الاستراتيجيات الصناعية والمالية التي اعتمدتها الصناديق السيادية الكبيرة هي أيضًا حقيقة تندرج بقوة في إطار مشهد هذه الدبلوماسية الاقتصادية.
أطلب منكم اتخاذ مبادرات لاستقطاب مواهب جديدة إلى بلادنا من خلال برامج مثل برنامج "فرنش تك تيكت" (French Tech Ticket) للمشاريع المبتكرة، وتقديم آليات جديدة تحفيزية، وتكييف أنظمة إصدار التأشيرات، والاستناد إلى أولوياتنا ولا سيما مكافحة الاحترار العالمي والتفوق الجامعي الذي يتعين علينا نشره والذي نرغب في نشره.
وقد اخترنا أنا ورئيس الوزراء أن نعهد مسؤولية هذه السياسات إلى وزير أوروبا والشؤون الخارجية. وهو يضطلع بهذه المهمة بالتعاون مع زملائه في مجال خبراتهم. وسيكون مقياس نجاحنا زيادة عدد المنشآت المصدّرة واستدامة تدفقات صادراتها.
وفي هذا الصدد، ما تزال ألمانيا وإيطاليا أفضل منا. وسيضطلع قادة وكالة "بزنس فرانس" الجدد بمهمة تنفيذ هذه التوجهات. وكذلك، فإن وزارة أوروبا والشؤون الخارجية مسؤولة عن علامة فرنسا في الخارج. فهي تمثل بعدًا أساسيًا لعملكم. ويمثل حشد جهود جميع مراكز خدماتكم من أجل تحسين صورة فرنسا أمام الجهات التي تقود الرأي العام عنصرًا هامًا في هذا الاستقطاب. وأرحب بالتزام الحكومة القوي جدًا في سياق الاستقطاب الاقتصادي بهدف دعم قطاع أساسي في هذا المجال وهو القطاع السياحي.
وحدّد رئيس الوزراء خريطة الطريق وأولويات العمل في خلال المجلس المشترك بين الوزارات في 26 تموز/يوليو. وسيعيد وزير أوروبا والشؤون الخارجية جمع زملائه وجميع الجهات الفاعلة المعنية في 10 تشرين الأول/أكتوبر لهدف واضح وهو الترحيب بمائة مليون سائح بحلول عام 2020. ويجب أن يكون العمل في هذا المجال حازمًا. وسيتيح رفع حالة الطوارئ لنا الإسراع في فعاليتنا، ولكنّها الجهود تشمل جهود الجميع نساءً ورجالًا لأنها تجعل عوائد عملنا الدبلوماسي ملموسة في حياة مواطنينا اليومية. إنها وظائف جديدة، إنه نشاط ينتشر في جميع أنحاء أراضينا.
ولذلك، فإنني أعوّل تعويلًا كبيرًا على المحادثات التي يتيحها هذا الأسبوع لوضع خريطة طريق جديدة لدبلوماسيتنا الاقتصادية. وفي ختام هذا المؤتمر، سيسلم وزيركم إلى رئيس الوزراء خريطة الطريق التي تعد مكونًا أساسيًا من مكونات انتعاش بلدنا. إنني أعول على مشاركتكم الشخصية في هذا العمل.
وثمة جانبًا رئيسًا آخر لاستقطابنا وهو الدبلوماسية الطلابية. إذ تستقبل فرنسا سنويًا ثلاثمائة ألف طالب أجنبي في جامعاتنا ومدارسنا الكبرى؛ ولكنّ ذلك لا يكفي. لأن هذا الرقم يبقى ثابتًا في حين أن حركة الطلاب في العالم زادت بنسبة 25 في المئة منذ خمس سنوات. إذ تواصل الولايات المتحدة استقطاب الطلاب أكثر فأكثر والمملكة المتحدة أيضا، على عكس فرنسا التي سبقتها أستراليا في العام الماضي.
وهذا ما يتطلب منا استراتيجية أكثر تصميمًا لإنشاء جامعات كبيرة في فرنسا لها مكانة على الساحة الدولية. إنه تحدي وزير التربية الوطنية ووزيرة التعليم العالي والبحوث والابتكار ابتداء من الصفوف الثانوية لبناء عناصر النجاح هذه. فما هو جيد لفرنسا والشباب والطلاب الفرنسيين، هو جيد لاستقطاب فرنسا الدولي. إنها الخطوة التي لا غنى عنها والتي تقوم الحكومة بتنفيذها.
ولكن، على استراتيجيتنا الخاصة باستضافة الأجانب أن تكون أكثر شدّة وتكاملا،
انطلاقًا من إصلاح الجامعات إلى طلب الحصول على التأشيرة في مكاتب "كامبوس فرانس" التي تديرونها، ومن الاستقبال المبسّط في فرنسا إلى توقيع اتفاقات تعاون جامعية جديدة في البلدان التي تقيمون فيها، على كل الجهود أن تبذل في الاتجاه نفسه.
ويجب على البلدان المنتمية إلى المنطقة الفرنكوفونية أن ترسل المزيد من الطلاب إلى فرنسا، ولا سيما على مستوى الماجستير والدكتوراه، على غرار ما تجيده أمريكا اللاتينية. وآمل أن نتمكن من الاعتماد أكثر على شبكة المدارس الفرنسية في الخارج، وأن نتمكن من توفير منح دراسية أكثر استقطابًا لأفضل الطلاب، وأن نصبح قادة في أوروبا في سوق البرامج التعليمية الرقمية التي تمكن متابعيها من نيل شهادات.
وعلى دبلوماسية الاستقطاب أن تكون قادرة على الاعتماد على الفرنسيين المقيمين في الخارج- وأنا أعلم أنكم تدعمونها بالفعل. إذ يتمتع الفرنسيون المقيمون في الخارج بفرصة مقارنة وطنهم مع البلد المضيف كل يوم، فيرون نقاط ضعفنا ولكنهم يرون أيضًا أفضل من غيرهم في أحيان كثيرة القوى التي لا نستغلها بما فيه الكفاية.
وهم يتمتعون بقوة الارادة للالتزام أكثر بتقويم فرنسا واستقطابها والروابط الاقتصادية والثقافية والتربوية واللغوية التي يمكننا تطويرها في كل من هذه البلدان. وأنا أعرف مخاوفهم بشأن تعليم أطفالهم على سبيل المثال. فسنحافظ على مخصصات الميزانية للوكالة الفرنسية للتعليم في الخارج (AEFE) ابتداء من عام 2018. وأنا أعلم، معالي الوزير، أنكم تعوّلون عليها بوجه خاص.
كذلك، يساورهم القلق إزاء أمنهم، وهي مسألة نكرّس لها موارد متزايدة. ومن مهماتنا أيضا التأكد أن الاغتراب ليس مسارًا مليئا بالعقبات، بل تجربة تسمح لمواطنينا بالانشراح. ولهذه الغاية، فإن رقمنة الإجراءات الإدارية مهمة وينبغي الإسراع في تطبيقها. وسأتناول جميع هذه المواضيع أمام جمعية الفرنسيين المقيمين في الخارج تأكيدًا لهذا الالتزام في أوائل تشرين الأول/أكتوبر.
ومن بين عوامل الاستقطاب، أتمنى أن تجد اللغة الفرنسية مكانتها. ولا بدّ أن تكون موضع كل اهتمامكم الدبلوماسي، فنحن نختبئ وراء الأرقام الكبيرة، وراء الناطقين باللغة الفرنسية الفرنكوفونيين البالغ عددهم 300 مليون شخص في العالم، ولا سيما بفضل أفريقيا حيث التوقعات متفائلة جدًا لعام 2050.
ولكن، يجب ألا يخفي ذلك حقائق أكثر تناقضًا، لا بل مقلقة، وهنا أيضًا، دعونا لا نكون في موقع الدفاع. فالفرانكفونية فرصة رائعة طالت جميع القارات، وقد حملتها فرنسا في المقام الأول وتأثير فرنسا في جميع القارات، بفضل وجودها في أقاليم ما وراء البحار، وأريد، في هذا الإطار، أن تكون أقاليمنا ما وراء البحار جزءًا لا يتجزأ من إشعاعنا وتنميتنا.
وقد حملتها جميع المجتمعات الفرنكوفونية التي تحافظ على هذه الحيوية في جميع القارات، وعليه، لا بد أن يستند تعزيز اللغة الفرنسية من جهة إلى جهاز علينا إعادة تنظيمه وتطويره، وهو الجهاز السمعي البصري، أي مجموعة فرانس ميديا موند و TV5 موند، ومن جهة أخرى إلى فروع أليانس فرانسيز، حتى لو كنت أعتقد أو أعلم أن ما سأقوله قد قيل في كثير من الأحيان، أود أن يتحقق التقارب بين المعهد الفرنسي ومؤسسة أليانس فرانسيز، وكذلك يستند تعزيز اللغة الفرنسية إلى الأدوات الرقمية والفرانكفونية الاقتصادية بالاشتراك مع القطاع الخاص وإلى إدراج أساليب التعلم الفعالة في النظم التعليمية لدى شركائنا.
ولا بدّ من مضاعفة أثر تعزيز اللغة الفرنسية من خلال العمل الثقافي والسينما والأنشطة الفنية والقراءة، بخاصة عند الشباب، وتحقيقًا لهذه الغاية، من المهم في هذا العام أن تكون فرنسا ضيف شرف صالون الكتاب، عفوًا، معرض الكتاب، في فرانكفورت الذي سأزوره، إنّها مبادرات علينا أن نواصل تطويرها. فالفرنكوفونية ليست موضوعًا لصرف الانتباه يضاف إلى المواضيع الراهنة. إنها في صميم المعركة التي يتعين علينا خوضها في جميع القارات، أي معركة الدفاع عن قيمنا، وعن هدفنا في التنمية، والدفاع عن المنافع العامة التي ذكرتها منذ قليل.
وكما يعلم كل واحد منكم عندما يلتقي مسؤولًا اقتصاديًا أو سياسيًا أجنبيًا تعلم اللغة الفرنسية في إحدى مدارسنا أو شارك في برامج تبادل الطلاب الأكاديمية أو الاقتصادية أو الثقافية، ثمة شيء يربطنا، في تلك اللحظة، خيط، وحتى ولو كان ضعيفًا، يمكن شدّه في أسوأ الظروف فيسمح لنا بتصحيح الوضع وبالعودة إلى المنطق السليم، والأمن، والاستقرار، فكلّها عومل مترابطة. ويخطئ من يعتقد أنه يمكن إهمال الفرنكوفونية باعتبارها هامشية، وبما أننا ورثناها نعتقد أنه يمكننا أن ننساها، ولكن، علينا أن نطوّرها أكثر لأنها أداة لهذ الاستقطاب ولهذا التأثير ولقدرتنا على حمل رسالتنا في كل مكان. ولهذا السبب، سأجمع في بداية العام المقبل المثقفين والأكاديميين والفنانين وممثلي المنشآت الملتزمين بتعزيز مكانة لغتنا في العالم.
وعلى أهدافنا أن تكون طموحة، وسأقدم في النصف الأول من عام 2018 خطة شاملة لتعزيز اللغة الفرنسية والتعددية اللغوية في العالم، بالاشتراك مع المنظمة الدولية للفرنكوفونية والبلدان الأعضاء فيها، إذ يمكننا بفضل هذه القوة الجماعية استقطاب الفعاليات العالمية، مثل، كما آمل، مثل المعرض العالمي، أو حتى التفوق في مجال آخر أساسي لفرنسا، وهو الرياضة، إذ سنشهد في الأيام المقبلة ما سيؤول إليه ترشيح فرنسا لدورة الألعاب الأولمبية لعام 2024، لأنه أيضًا عنصر من عناصر استقطابنا، ومصداقيتنا، وقوتنا، وفخرنا الفرنسي الذي يساعد على تألّقنا وحمل قيمنا وأولوياتنا.
وفي هذا الصدد، لا أود أن أهنئ الفريق الذي سيدافع عن ألوان فرنسا في ليما في الأيام المقبلة لأن ذلك سابق لأوانه، لكن أود أن أشكركم الآن على التزامكم الكبير في هذا الرهان.
وأخيرًا، لن تكون فرنسا قادرة على الاستقطاب إلا إذا كانت تؤثر في القواعد المعمول بها على الصعيد الدولي، وأتمنى لها أن تشارك بمزيد من الحزم في الهيئات التي تضع هذه القواعد وتسنها، وعلى نطاق أوسع، أن تصبح من جديد المكان الذي نتصوّر فيه العالم. ما أعنيه هو أن ثمة عدّة تغيرات على الصعيد الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي من شأنها أن تؤثر بعمق في حياتنا وقدرتنا على الابتكار والإنتاج ومن شأنها أن تؤثر أيضًا في حياتنا اليومية في علاقتنا باحترام السرية والحريات الفردية.
فسيكون للتكنولوجيا الرقمية أثر كبير في هذه الحريات، وقد بدأت بالفعل. وستحوّل هذه التغيرات التكنولوجية بعمق قدرتنا على الابتكار والإنتاج. ووراء كل ذلك، ستوضع معايير جديدة وتتألف جهات مهيمنة في عالم التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي الناشئ، وهذه الشركات العملاقة هي بمعظمها أمريكية.
ولدينا أبطال فرنسيون وأوروبيون علينا تكوينهم، وستكون هذه إحدى أولويات سياسة الحكومة، ولكن، لا بد أن تستند هذه المرحلة إلى قدرة قد تجاهلناها أحيانا أكثر من جيراننا الأوروبيين، ولا سيما الألمان، وهي القدرة على وضع المعايير التي تنظم هذه المساحات، وإذا أردنا النجاح في مجال المركبات الذاتية الحكم، ينبغي لنا تحديد المعايير التي ستنظم هذا المجال على المستوى الأوروبي، وأن نقوم بذلك على الأقل مع شركائنا الألمان، وإذا أردنا تبوء منصب القادة في مجال الذكاء الاصطناعي، هنا أيضًا ينبغي لنا تحديد القواعد الرئيسة، علمًا أن كل هذه التغييرات ستحدث تقلبات عميقة من شأنها أن تؤثر في أخلاقيات علم الأحياء والحريات الفردية وحقوقنا الأساسية.
لذلك، ينبغي لنا أن نفكر في هذه القواعد، بالاشتراك مع شركائنا الرئيسين، لأن فرنسا تضطلع بمهمة استحداث إطار للتنظيم المتعدد الأطراف لعالم الغد وذلك لتتمكن من تحقيق مصالحها الخاصة أيضًا وعليها أن تقوم بذلك وفقًا للنهج الأوروبي لكي لا تخضع لتنظيم مفروض بحكم الواقع، وهو قانون الأقوى الذي يسود اليوم.
وفي ما يتعلق بكل هذه المسائل، أتمنى لفرنسا أن تلتزم التزامًا كبيرًا، الأمر الذي ينطوي على عملكم اليومي وعلى حشد طاقات جميع الجهات الفاعلة الاقتصادية والاجتماعية المتخصصة والأوساط الأكاديمية والعلمية التي لا غنى عنها وأفضل المحامين حتى نكون المكان الذي نتصوّر فيه قواعد عالم الغد، أي تلك القواعد المتّزنة، حيث سنعمل لكي لا تكون العولمة، التي هي موجودة في أي حال من الأحوال، معفاة من أي قاعدة فتصبح ملكًا لبعض الأشخاص وتتحوّل بذلك إلى عدو مصالحنا الخاصة.
وتقع هذه المسؤولية الجديدة كلها ضمن مسؤوليتنا، وتقودنا إلى تحديد قواعد هذا العالم الجديد على الصعيدين الفلسفي والقانوني، إذ لا يكفي أن نفكر بقوانين هذا العالم الجديد داخل حدودنا وحسب بل يجب أن نقود هذه المعركة كروّاد على المستويين الأوروبي والدولي.
وفي مجتمع المعرفة الذي يزدهر أمام أعيننا، ينبغي لبلدنا أن يستعيد مكانته كمركز للخبرات الدولية والمناقشات بشأن النظام العالمي. ولهذا، أود أن تستهل فرنسا سلسلة من المؤتمرات السنوية الدولية الدبلوماسية والقانونية المخصصة لتنظيم عالمنا، وستعقد أول سلسلة من هذه المؤتمرات في باريس في صيف عام 2018.
سيداتي، سادتي، تمثّل التحولات العميقة التي نشهدها في كل مكان تحديًا كبيرًا، ومسؤولية هائلة بالنسبة إلى بلدنا، إنّها تمثل تحديًا لأن الأمر يتعلق في تمكين فرنسا لكي تتولى من جديد زمام مصيرها في مسيرة العالم، وتتحمل مسؤولية طموحها في أن تكون قوة عظمى لها ثقلها ورأيها في عالم متعدد الأطراف، ولذلك، عليها استعادة مقاليد السلطة، أي الصحة الاقتصادية، والقدرة التنافسية، والقدرة على التربية والابتكار والتأثير.
إنّه التحدي الذي تجسّده التغييرات التي نريد تحقيقها، ولكنه يمثل أيضًا مسؤولية، لأنه ينبغي لفرنسا في هذه اللعبة العالمية الجديدة، تحديد حركة إنسانية جديدة في صلب هذه التحولات التي تؤثر في الصورة ذاتها التي نعطيها للإنسان. وبالإضافة إلى الأمن والسيادة، تحتاج فرنسا إلى جعل هويتها مسموعة، وتحتاج إلى معرفة من هي ومن تريد أن تكون، وتحتاج إلى التنوع والتواضع والفخر، لأنّه بإمكان فرنسا إذا تمتعت بالإرادة ومكّنت نفسها من أن تحافظ على صوت أصيل في مجتمع الأمم، صوت الخبرة والأمل، صوت يتطلع إلى نظام متعدد الأطراف للتقدم وتحقيق العدالة، صوت يُعنى بجميع الأزمات وينتبه إلى جميع القضايا العالمية والبيئية والرقمية والإنمائية.
وفي هذا السياق، نحن قوة عظيمة بطموحاتها، عظيمة بقيمها، عظيمة بآمالها، وعلينا أن نتحمل هذه المسؤولية بالكامل، وهذا هو جوهر مهمتكم. لذلك، على الدبلوماسية الفرنسية أن تكون شاملة، وأن تجمع بين الاقتصاد والدفاع والتعليم والثقافة والبيئة. إنه مفتاح تألقها.
وأشكر السيد جان-إيف لو دريان على وضع خبرته وتصميمه وذوقه للنتائج الملموسة في خدمة هذه الإدارة الفريدة، جنبًا إلى جنب مع السيدة ناتالي لوازو والسيد جان باتيست لوموان، فضلًا عن الأمين العام الجديد، موريس غوردو- مونانيه.
أما بالنسبة إلي وقد بدأت بمقابلتكم، فمن المهم أن أختتم خطابي بالإشادة بتفانيكم وتفاني فرقكم، وشجاعتكم أيضًا في الوقت الذي تتعرضون فيه أكثر فأكثر إلى مواقف خطيرة، وأريد أن أوجّه كلمة خاصة إلى موظفي سفارتنا في كابول التي تعرضت لاعتداء كبير لم يسبق له مثيل في 31 أيار/مايو.
ففي وجه المخاطر وفي جميع مناطق الأزمات، تحافظون على صوت فرنسا ومصالحها وتسعون إلى حماية مواطنينا. وفي هذا الصدد، أود أن أشكر بحرارة شديدة موظفي مركز الأزمات وجميع الأشخاص الذين يسهمون في مساعدة مواطنينا الفرنسيين الذين يواجهون الصعوبات، بما في ذلك ضحايا الاعتداءات على أرض الوطن.
فأنا أعرف التضحيات التي تقدمونها، والعبء الذي يتركه غياب استقرار الحياة الدبلوماسية على كاهل كل واحد منكم وأسركم. أشكركم بصدق على مساهمة جميع موظفي وزارة أوروبا والشؤون الخارجية من خلال حسهم الوطني ومدى توافرهم ومعرفتهم بالعالم، في أمن الفرنسيين وحمايتهم، في تألق فرنسا.
إنني أحثكم على حشد طاقاتكم من خلال مقترحاتكم ومبادراتكم وأنشطتكم، فتحملون معًا وتجسدون هذا الأمل في فرنسا التي تستعيد الثقة بمستقبلها والتي تلبي تطلعات العالم ومجتمعنا لها. معًا، سنلبي هذه التطلعات بالتحديد.
وعلينا، معًا، أن نرسم نموذجًا حضاريًا جديدًا ينجح في كبح أوجه التفاوت وانعدام الأمن، والدفاع عن العدالة وحماية الطبيعة واحترام الثقافة والإبداع والذاكرة. فهذا المشروع هو هويتنا. ففي حين يفقد الكثيرون أنفسهم وهم يحاولون الحصول على هوية تخيّلوها في ماض لم يكن ولن يكون إلا وطنيّ، تحملون أنتم الهوية الفرنسية لأنها انبنت دائمًا في ساحات المعارك التي خاضتها وفي الأراضي التي كانت الرائدة فيها وفي الأوقات الأكثر صعوبة.
يمكننا أن نضمن انتماء المستقبل إلى الحوار لا الحرب، إلى التعاون لا الخلاف، إلى الازدهار المشترك لا الأزمات. إنها ماهيّة سياستنا، وماهيّة مهنتكم أيضًا، أعلم ذلك.
شكرًا لكم.

نشر في 04/09/2017

أعلى الصفحة